إذا زُرْتُ أرْضاً بعدَ طُولِ اجْتِنابِها ... فقَدْتُ صديقاً والبِلادُ كَما هِيَا
وقال:
أرَى الأرْضَ تَبْقَى والإخِلاّءُ تَذْهَبُ
وقيل للبَهلول - وقد أقبلَ من الجبّان -: من أين؟ فقال:
مِنْ عَسْكرِ المَوْتى، فقيل ما قلت وما قالوا؟ فقال: سألتُهم: مَتى يَرْحلون؟ فقالوا: ننتظرُ قدومَكم ثُمَّ نَرْتحل... ورَوَوْا: أنَّ راهبين دَخلا البصرةَ من ناحيةِ الشَّامِ فنظرا إلى الحسنِ البصري، فقال أحدُهما: مِلْ بِنا إلى هذا الذي كأنَّ سَمْتَه سَمْتُ المسيح، فعَدلا إليه، فألْفَياه مُفْتَرِشاً بذَقْنِه ظاهرَ كفِّه وهو يقول: يا عَجباً لقومٍ قد أمِروا بالزَّاد وأُذِنوا بالرَّحيل، وأقام
أوَّلُهم على آخرِهم، فليتَ شِعْري ماذا يَنْتَظرون!
وفي روايةٍ أخرى هذه الزيادةُ بعد قوله: وأقام أولهم على آخرهم: وآخرهم قعودٌ يلعبون قوله: أمِروا بالزّاد يعني زادَ الآخرة، وهو العملُ الصالح، وقوله: وأذنوا بالرحيل: أذِنوا: أُعْلِموا، والرحيل يريد به الموتَ، وقوله: وأقام أوّلُهم على آخرِهم: لعلّه يريد: أنّ أوّلَهم يرضى فعلَ آخرِهم فلَمْ يُنْكِرْ عليه، ولعلّه يريد أن موتَ أوّلهم كان يجب أن يكون عبرةً لآخرِهم ومن المشهور في هذا أبياتُ قُسِّ بنِ ساعدةَ الأيادي:
في الذَّاهِبينَ الأوَّلِي ... نَ مِنَ القُرونِ لنا بَصائِرْ
لمّا رأيْتُ مَوارِداً ... للمَوْتِ لَيْسَ لَها مَصادِرْ
ورَأيْتُ قَوْمي نَحْوَها ... يَمْضي الأصاغِرُ والأكابِرْ
لا يَرْجِعُ الماضي إليَّ ... ولا مِنَ الباقِينَ غابِرْ
أيْقَنْتُ أنّي لا مَحا ... لةَ حَيْثُ صارَ القومُ صائِرْ
في الذاهبين: متعلّق ببصائِر في آخر البيت، وبصائر: عِبَر، والقُرونُ جمع قَرْنٍ والقَرْنُ من الناس: أهلُ كلّ زمان، قال:
إذا ذَهَبَ القَرْنُ الذي أنْتَ فيهمُ ... وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فأنْتَ غَريبُ
ولعلّه مأخوذٌ من الاقترانِ، فكأنّه المِقدارُ الذي يقترن فيه أهلُ ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم، ومن هنا اختلفوا في تحديدِ القَرن من الزمان فقيل: أربعونَ سنةً، وقيل: ثمانون، وقيل مائة سنة، والموارِد جمع مورد وهو:
محلُّ الوُرود، أي الإتيان، والمصادر جمع مَصدر، وهو: موضع الصُّدور، أي الانصراف والرُّجوع، وغابر اسم فاعل من غَبَرَ
بمعنى: مَكَثَ وبَقِي، وبمعنى: مضى أيضاً، فهو من الأضداد.
(مَنْ يَخافُ الموت ولا يستعدُّ له، وحثُّهم على تعاطي ما يهوّن أمرَ الموت)