فانظر كيف حثَّه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الانتساب إلى الأنصار وإن كان بالولاء، وكان الإظهار لذلك أحب إليه من الانتساب إلى فارس، وفي ذلك أمران:
الأوَّل: أنَّ من أمكنه الانتساب إلى العرب ولو بالولاء فلا ينبغي له أن ينتسب إلى العجم، وهنا أمكن أبا عقبة أن ينتسب إلى الأنصار وهم من العرب، فلم يرض له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينتسب إلى العجم مع ذلك.
والأمر الثاني: أن من أمكنه أن ينتسب إلى جهة أعزها الإِسلام كالنصرة والهجرة، فلا ينبغي أن يعدل عنها إلى الشعوب والقبائل لأنه خلق جاهي كما سيأتي.
ومن هنا مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه بنسبته إلى بيته، فقال:"سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ"كما رواه ابن سعد في"طبقاته"، والحسن بن سفيان في"مسنده"، والطبراني في"معجمه الكبير"، والحاكم في"مستدركه"؛ وإن تعقب عليه في تصحيحه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه.
وروى الطبراني في"معجمه الصغير"، و"الأوسط"بإسناد حسن، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - موليان؛ حبشي وقبطي، فاستبَّا يومًا فقال أحدهما: يا حبشي، وقال الآخر: يا قبطي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تَقُوْلا هَذَا؛ إِنَّما أَنْتُمَا رَجُلانِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -".
وأما النقل الدال على فضل العرب بعد كتاب الله تعالى فأحاديث كثيرة نذكر بعضها:
روى مسلم، والترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِنَّ الله اصطَفَى كِنانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيْلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنانَةَ، واصطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هاشِمٍ".
ورواه الإمام أحمد، والترمذي بلفظ:"إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْراهِيْمَ إِسْماعِيْلَ، واصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيْلَ بَنِي كِنَانَةَ"إلى آخره.