جاء إليه أعرابيٌّ من العرب الجافية، ومعه بعيران، فجذبه بردائه بغلظة وجفاف، وقال له بلؤم وخشونة: يا محمد، احمل لي على بعيري مِن مال الله الذي عندك؛ فإنَّك لا تحمل لي من مالك، ولا مال أبيك، فقال له برِفْق وأناة: (( نعم، المال مال الله، وأنا عبده، سيُعطيك ما طَلَبْت، ويُقاد منك ما فعلت ) )، فقال: لا، قال النبي: (( ولِمَ؟ ) )، قال: لا تَجْزِي السيِّئةَ بالسيِّئة؛ ولكن تُكافِئ السيئة بالحسنة، فتبسم النبي العظيم، وأمر أنْ يُحملَ له شعيرٌ على بعير، وتَمرٌ على الآخر، وانصرفَ شاكرًا.
فعظَمَة محمد - صلى الله عليه وسلم - هي عظمةُ إصلاح وعدالة، عظمة عطف ورحمة، عظمة تثقيف وتهذيب، عظمة بناء وتعمير، عظمة سلم وأمان، عظمة علم ومعرفة، إنَّه - عليه الصلاة والسلام - لما شُجَّ وجهُهُ، وكُسِرَت رباعيَّتُه، وحلَّ به من الألم ما يذهب بلُبِّ الحليم، ورُشْدِ الحكيم - لم يغضب عليهم، بل اعتذر عنهم؛ حيثُ قال في دعائه: (( اللَّهم اغفر لقومي، فإنَّهم لا يعلمون ) )؛ رواه البخاري.
ولهذا استحقَّ أن يقول الله - تعالى - في حقِّه:"لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" [التوبة: 128] ، فكان من أثر جهاده وجهوده، وتقويمه وإصلاحه: أنَّ العربَ الذين كانوا بالأمس عاكفين على شَنِّ الغارات، وسفك الدِّماء لأدنى سبب، أصبحوا رُحَماء بينهم، وقد قَوِيَت فيهم أواصِرُ الأُخُوَّة والمحبة، ونبذوا العداوة والبغضاء، وأصبحوا صالحين مصلحين وهداة مرشدين.
وأولئك الذين كانوا جاهلين غافلين، أصبحوا علماءَ مصلحين ومُرشدين، اجتازوا الآفاق؛ ليُعلِّموا الأُمَمَ المنحطة، والشُّعوبَ المتخلِّفة.