فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 447041 من 466147

نَشَأَ في جَوٍّ مُفْعَمٍ بالشرك، ولم يتأثرْ بعقائدِ بيئته، وتقاليدِ عشيرته؛ ولكنَّه جاء مُنَزَّهًا عن تلك الرَّواسب، بعيدًا عن تلك الطبائع، نقيَّ الفطرة، وقد نَمَت في نفسه شرائفُ الخصالِ، وجلائل الخلال، تكتنفه الطَّهارة والنَّقاء، والسُّمُوُّ والصَّفاء، اجتمعت في نفسه الفضائلُ، وتلاقت فيها الكمالات، يدعو بلين وحِكْمة ولطف وإباء، ويتحمَّل الأذى بصبر وجَلَدٍ، يعفو ويصفح، لا يصُدُّه جفاءٌ، ولا يَثنيه عن دعوته اضطهادٌ، ولا يتهاون في دقائق الأُمُور، ولا يتغافلْ عن بسائطها، حتَّى غيَّر طبائعَ العربِ الراسخة، وألان القلوبَ القاسية، فكَفَّ المجرم عن إجرامه، والمعتديَ عن اعتدائه، والمقامرَ عن مَيْسِرِه، والفاجرَ عن فُجُوره؛ حتَّى صَفَتِ النُّفوس، وطهرت القُلوب، وزالت الخصومة، وشاعت المحبَّة، وترابطت الأفرادُ والجماعات، وانحسرت النَّقائص، وانزوت الشُّرور، ونَمَتِ الفضائلُ، وازدهر الخير والمعروف، وأصبحَ النَّاس في أبرك العصور، وأسمى حياة، وأهنأ عيش، بفضل شريعة الإسلام، والتدبير النَّبوي الحكيم.

إنَّ قوانينَ العالم المُتَمَدْيِن لم تصلْ - إلى الآن - إلى شيء من هذه الغايات السَّامِيَة، ولا أتت بمثل هذه الغايات السامية، ولا أتت بمثل تلك السَّعادة المنشودة، ولا حقَّقت للعالم من هناء ولا صفاء؛ بل يُمكننا أن نقول: إنَّها ما أورثتهم إلا شقاءً وبلاءً، وتدميرًا وتقتيلاً، فلا يُعْنَوْن من المدنيَّة إلاَّ بالمادة، فمنها يبدؤون، وإليها ينتهون، أمَّا الإصلاحُ النبويُّ، فإنَّه عُنِيَ بإصلاح النفوس، وتنظيم المجتمع، وبَثِّ مكارم الأخلاق، ونَشْرِ الرَّحمة والعدالة وصيانة دَمِ الإنسان، سواءٌ أكان من المسلمين أم المعاهدين أم أهل الذمة.

(( إنَّما بُعثت لأُتَمِّم مكارم الأخلاق ) )، وفي رواية: (( صالح الأخلاق ) )؛ البخاري في"الأدب"، ومالك في"الموطأ".

فهذه هي العَظَمَة الحقيقيَّة، التي أقام دعائمها الرَّسول العظيم.

فليست هي من عَظَمَةِ الملوك الجبَّارين، الذين يستعذبون أنينَ الإنسانيَّة، واستعباد الخلق وإذلالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت