وقالت طائفةٌ: يعتبر أربعونَ في الأمصارِ وثلاثةٌ في القرى ، وحُكيَ روايةً
عن أحمدَ ، صحَّحَها بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابهِ.
وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بسبعةٍ ، وحُكيَ عن عكرمةَ ، وروايةً عن أحمدَ.
وقالت طائفة: تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً ، حكيَ عن ربيعةَ.
وقد قال الزهريُّ: إن مصعبَ بنَ عمير أول ما جمَّعَ بهم بالمدينةِ كانوا اثني
عشرَ رجلاً.
وتعلَّق بعضُهَم لهذا الحديثِ بحديثِ جابرٍ المخرج في هذا البابِ.
وقال طائفة: تنعقدُ الجمُعةُ بما تنعقدُ به الجماعةُ ، وهو رجلانِ ، وهو قولُ
الحسنِ بنِ صالح وأبي ثورٍ - في روايةٍ - وداودَ ، وحُكيَ عن مكحولٍ.
وتعلَّق القائلونَ بالأربعينَ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ ، أنَّ أولَ جمُعةٍ جمَّع
بهم أسعدُ بنُ زرارةَ ، كانوا أربعينَ ، وقد سبقَ ذكرُه في أولِ"كتابِ الجمُعةِ".
وقد ذكرَ القاضي أبو يعلَى وغيرُه وجهَ الاستدلالِ به: أنَّ الجمُعةَ فُرضت
بمكةَ ، وكان بالمدينةِ من المسلمينَ أربعة وأكثرُ ممَّن هاجر إليها وممَّن أسلم بها.
ثم لم يصلُّوا كذلك حتى كملَ العددُ أربعينَ ، فدلَّ على أنها لا تجبُ على أقل
منهم ، ولم يُثبتْ أبو بكرٍ الخلالُ خلافَه عن أحمد في اشتراطِ الأربعينَ.
قال: وإنما يُحْكَى عن غيرِه ، أنه قال بثلاثة ، وبأربعةٍ ، وبسبعةٍ ، ولم يذهبْ
إلى شيء من ذلك ، وهذا الذي قاله الخلالُ هوَ الأظهرُ. واللَّهُ أعلمُ.
وفي عددِ الجمُعةِ أحاديثُ مرفوعةٌ ، لا يصحُّ فيها شيء ، فلا معنى
لذكرِها.
وإذا تقرَّر هذا الأصلُ ، فمَن قالَ: إن الجمُعةَ تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً أو
بدونِهم ، فلا إشكالَ عنده في معنى حديثِ جابرٍ ؛ فإنه يحملُه على أن النبيَّ
-صلى الله عليه وسلم - صلَّى الجمُعَة بمَن بقي معَه ، وصحتْ جمعتُهم.
ومَن قال: لا تصحُّ الجمعةُ بدون أربعينَ ، فإنه يشكلُ عليه حديثُ جابرٍ.