وقولُه في الرواية التي خرجها البخاريُّ: بيْنَا نحنُ نصلِّي معَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -""
لم يرِدْ به أنهمُ انفضُّوا عنه في نفسِ الصلاةِ ، إنما أرادَ - واللَّهُ أعلمُ - أنهم
كانوا مجتمعينَ للصلاةِ ، فانفضُّوا وتركُوه.
ويدلُّ عليه: حديثُ كعبِ بنِ عجرة ، لما قال: انظُروا إلى هذا الخبيثِ
يخطبُ قاعِدًا ، وقد قالَ اللَهُ تعالى: (انفَضوا إِلَيْهَا وَتَرَكوكَ قَائِمًا) .
وكذلك استدلالُ ابنِ مسعودٍ وخلقٌ من التابعينَ بالآيةِ على القيامِ في
وروى علي بنُ عاصم هذا الحديثَ عن حصينٍ ، فقال فيه: فلم يبقَ معه
إلا أربعونَ رجلاً ، أنا فِيهِمْ.
خرَّجه الدارقطنيُّ والبيهقي.
وعليٌّ بنُ عاصم ، ليس بالحافظِ ، فلا يُقبلُ تفردُه بما يخالفُ الثقاتِ.
وقد استدلَّ البخاريُّ وخلق من العلماءِ على أن الناسَ إذا نَفروا عن الإمامِ
وهو يخطبُ للجمعَةِ ، وصلَّى الجمُعةَ بمن بَقي ، جازَ ذلك ، وصحَّت
جمعتهم.
وهذا يرجع إلى أصل مختلَفٍ فيه ، وهو: العددُ الذي تنعقدُ به الجمعةُ ؟
وقد اختُلِفَ في ذلك:
فقالت طائفةٌ: لا تنعقدُ الجمعةُ بدون أربعينَ رجلاً ، رُويَ ذلك عن
عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عتبةَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، وهو قول الشافعيِّ
وأحمدَ - في المشهورِ عنه - وإسحاقَ ، ورواية عن مالكٍ.
وقالت طائفة: تنعقد بخمسينَ ، رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - أيضًا -
وهو روايةٌ عن أحمدَ.
وقالت طائفة تنعقد بثلاثةٍ ، منهم: ابنُ المباركِ والأوزاعيُّ والثوريُّ ، وأبو
ثور ، ورُوي عن أبي يوسفَ ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ.
وقالت طائفةٌ: تنعقد بأربعةٍ ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبَيه - في المشهور
عنهما - والأوزاعيِّ ومالكٍ والثوريّ - في رواية عنهما - والليثِ بنِ سعدٍ.
وحكي قولاً قديمًا للشافعيِّ ، ومنهم مَن حكاه أنها تنعقدُ بثلاثةٍ.