والمعنى: لقد كان لكم أيها المؤمنون فيما تعلمون من أَخبار أَبيكم إِبراهيم - عليه السلام - وأَصحابه الذين آمنوا به وكانوا معه وما تقرءُونه عنه وعنهم قدوة صالحة وخصلة حميدة من خصال الخير إذ قالوا لقومهم الذين كفروا بالدعوة، وأَنكروا الرسالة وآذوا رسول الله وخليله إِبراهيم - قالوا لهم: إنا برآء منكم قاطعون لمودتكم وقرابتكم، بعيدون عن معايشتكم ومعاملاتكم منكرون لكم ولِما تعبدون من دون الله من الأَصنام والتماثيل - كفرنا بكم قرابة وأَهلا، وكفرنا بآلهتكم ومعبوداتكم واستحكمت بيننا وبينكم العداوة والبغضاءُ وبدت القطيعة والجفاءُ، وكان هذا شأننا معكم ودأَبنا في معاملتكم لا نتركه ولا نحيد عنه، فسيروا على سيرة أَبيكم إِبراهيم، والتزموا منهجة في معاداة أَعدائكم، وخذوا منه القدوة الحسنة، والأَسوة الصالحة ولا تستغفروا لهؤلاء الكفار، واعلموا أَن استغفار إِبراهيم لأَبيه ما كان إِلا عن عدة وعده إِيَّاها فوفَّى له بها طمعًا في أَن يسلم ورجاءَ أَن يهتدي فلمَّا تبين له أَنه عدو الله تبرأَ منه وأَعلن أَنه لا يملك له من الله شيئا يجلب له نفعا أَو يدفع عنه ضرًّا.
(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) : يحتمل أَن يكون من تمام ما نقل عن إِبراهيم - عليه السلام - ومن معه من جملة التأَسي، وأَن علينا أَن نقتدي به دائما في التوكل على الله، والإِنابة إِليه وتفويض المصير والأمور كلها الله.
وتقديم المجرور لإِفادة قصر التوكل والإِنابة إِلي الله على الله وحده.
ويحتمل أَن يكون كلاما مستأنفا، لبيان مجاهدتهم لأَعداءِ الله والالتجاءِ إِليه في جميع أمورهم لا سيما في مدافعة الكفرة، وكفاية شرورهم كما ينطق بذلك قوله - تعالى: (رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً .... ) الآية.
5 - {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) } :