قال أبو حيان: لَا يصح أن يكون الظرف مقاما لأنه منصوب، ونقل في سورة الأنعام في قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) ، عن الأخفش: أنه أجاز إقامته، وعلى أنه مقام هنا يرفع لإضافته إلى المبنى، ونقل السهيلي صحة إقامته، وإن كان غيره منصرف.
قوله تعالى: {فِي إِبْرَاهِيمَ ... (4) }
خصه بالذكر إما لأنه أول ما ابتدأ هذه المقالة، وإما لأن جميع الملل آمنوا ووافقوا عليه، ابن عطية: اختلفوا في الذين معه، فقيل: أراد من آمن به من النَّاس، وقال
الطبري وغيره: أراد الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبا من عصره، وهذا القول أرجح التأويل، لأنه لم يروا أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحتهم نمرود، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرا إلى بلاد النمرود: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، قيل: لعل المراد من آمن به بعد ذلك، قيل: الأصل استصحاب الحال، وأنه لم يكن معه أحد قبل الأنبياء كانوا في زمانه مثل نوح ولوط، فصدق أنهم معه على دينه لأنهم قوم، ويحتمل أن المراد بالمعية المشاركة في الإيمان لَا في الزمان، قيل: من اتبعه وأتى بعده من الأنبياء وقومهم معه.
قوله تعالى: (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ) .
كالتأكيد لما قبله، لأنهم إنما تبرءوا منهم لأجل عبادتهم غير الله، فإِذا تبرءوا منهم لأجل شركهم؛ فأحرى أن يتبرءوا من معبودهم الذي أشركوه مع الله تعالى.
قوله تعالى: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ) .
العداوة هي الانقطاع، وتكون بين المتحابين وبين المتباغضين، فقد تنقطع الوصلة بين المتحابين بالسفر ونحوه، وقد تنقطع وينشأ عنها التباغض وقد لَا ينشأ، والبغضاء هي الكراهية القلبية سواء كانت مع المواصلة أو مع الانقطاع، فقد تكره الشخص وأنت تواصله في الظاهر، فإِن قلت: إذا كانت البغضاء من الأمر القلبي، فكيف وصفها بالظهور؟ فقال: (وبدا بيننا وبينكم) ، فالجواب: بما قال ابن التلمساني في الأمور القلبية: أنها قد تعرف بأمارات تظهر دليلا عليها كحمرة الخجل وصفرته.
قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ) .
مستثنى العداوة والبغضاء.