* ثم بينَ اللهُ سبحانَه العِلَلَ المُنَفِّرَةَ للقُلوبِ عن موالاةِ المشركينَ، وحَثَّهم على الاقتداءِ بإبراهيمَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ، {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] ؛ فإنه لا يُقْتَدى بهِ في هذا، فاستثناهُ، ولعلَّ هذا - واللهُ أعلمُ - كانَ من النبيِّ إبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن يُعْلِمَهُ اللهُ - تباركَ وتَعالى - أَنَّه لا يغفرُ الشِّرْكَ، أو لأمرٍ علمهُ من أبيهِ كَما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] , وقد تبيَّنَ بهذا أن استغفارَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالبٍ ولعبدِ اللهِ بنِ أبيِّ ابنِ سلولَ إنَّما كانَ قبلَ نزولِ هذهِ الآية.
وهذه السورةُ نزلتْ في قصةِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ، وذلك حينَ توجَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى مكةَ غازياً غزوةَ الفَتْحِ، ولا شكَّ في أنَّ موتَ عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ قبلَ ذلكَ.
249 - (2) ثم قالَ اللهُ تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) } [الممتحنة: 8] .
* رويَ عن الحسنِ أنّها نزلتْ في قومٍ بينَهم وبينَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عهدٌ، وهم
خُزاعَةُ، وبنو عبدِ الحارثِ بنِ عبدِ منافٍ.
أمرَ اللهُ سبحانَهُ المؤمنينَ أن يُوفوا لهم بالعَدْلِ، وأَنْ يبرُّوهم.
ورويَ عن مجاهدِ: إنما أريدَ بها الذين لم يُقاتلوا المؤمنين، وآمنوا، وأقاموا الصلاة بمكَّةَ، ولم يُهاجروا.
وذهبَ قومٌ إلى أنها منسوخةٌ:
فقيل: بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] .
وقيل: بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] الآية.
وقيل: بقوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] الآية.
والقولُ بالنسخِ ضعيفٌ؛ لعدمِ التعارُضِ في الآيتينِ.