اشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق بتسعين ألف درهم. فلما كان الليل سمع بكاء آل خالد، فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ قالوا: يبكون لدارهم التي اشتريت. قال: يا غلام: ائتهم فأعلمهم أن الدار والمال لهم جميعاً.
(حكاية)
يروى أن عبد الله بن جعفر خرج إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيها غلام أسود يقوم عليها فأتي بقوته ثلاثة أقراص، ودخل كلب فدنا من الغلام فرمى إليه بقرص فأكله، ورمى إليه بالثاني فأكله، ثم الثالث فأكله، وعبد الله ينظر إليه فقال: يا غلام، كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب وأخاله جاء من مسافة بعيدة جائعاً فكرهت رده. قال: فما أن صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله ابن جعفر: ألام على السخاء إن هذا لأسخى مني؟ فاشترى الحائط والغلام وما فيه من آلات، وأعتق الغلام ووهب ذلك كله له.
(حكاية)
قال الأصمعي: مررت ببعض أحياء العرب وكنت أروي أشعارهم وأطرف أخبارهم، فخرجت من الحي وكأنني لم أدخله، فرماني الدهر إلى بعض الأفاريق، فاستسقيت من أهل الفريق ماء فلم أسق، فخرجت من الحي فانتهيت إلى بيت مفرد فاستسقيت أهله ماء فخرجت إلي جارية وبيدها قعب من لبن، وفي الأخرى وعاء فيه ماء. فقالت: يا هناه، هذا ماء وهذا لبن، فأيهما شئت فابدأ، وإن أردت الطعام فهو لك معد فعجبت من سخائها عند بخل قومها ومبيتي بينهم، ثم شكوت إليها بخل قومها فقالت: اسمع مني ثم طفقت تقول:
خذ من الناس ما تيسر ... ودع من الناس ما تعسر
فإنما الناس من زجاج ... إن لم ترفق به تكسر
فانصرفت بالبيتين، ولهما أحب إلي من مائتي دينار، ثم رأيت نشزاً عالياً عليه بيت مفرد فقلت: ما هذا البيت الذي أرى إلا الذي كرم، ولعلي أجد فيه عالماً فأممته، فلما دنوت منه إذا رجل قائم على الباب، فلما رآني ولج البيت فولجت في أثره فخرج من كسر البيت فخرجت في أثره، فتبعته فنظر إلي ثم وقف فبكى بكاءً عالياً، وأنشأ يقول:
وقفت وقوف الشك ثم استمر بي ... يقين بأن الموت خير من الفقر
وقائلة تخشى علي من الردى ... وللموت خير من حياة على عسر
سأسكب مالاً أو أموت ببلدة ... يقل بها فيض الدموع على قبري
فقلت: هذا كلام أديب، وشعر لبيب، فزدني من كلامك، زادك الله من كل خير، فقال:
رزقت لباً ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال