الوجه الأول: أن ابن جرير وغيره من المؤرخين لم يلتزموا الصحة فيما ينقلون ويحكون، ولذا تجد في كتبهم الضعيف والموضوع. والباحث المنصف إذا نقل خبرًا من هذه الكتب ينبغي أن يمحصه سندًا ومتنًا.
الوجه الثاني: إذا نظرنا إلى سند هذه القصة ومتنها لا نشك في أنها تنادى على نفسها بالكذب والاختلاق وذلك: لسقوط سندها فإن سليمان مجهول لم نجد له ترجمة، وأبوه ساقط الحديث كما بينه جمع من الأئمة وعبد الله بن جعفر لا بأس به، فأما أبوه جعفر فلا يعرف برواية أصلًا.
الوجه الثالث: ولأنها لو كانت في التوراة لما اختص بعلمها كعب الأحبار وحده، ولكن كان يشاركه العلم بها أمثال عبد الله بن سلام وعبد الله بن عمرو ممن لهم علم بالتوراة.
الوجه الرابع: ولأنها لو صحت لكان المنتظر من عمر حينئذ أن لا يكتفي بقول كعب، ولكن يجمع طائفة ممن أسلم من أهل الكتاب ولهم إحاطة بالتوراة ويسألهم عن هذه القصة، وهو لو فعل لافتضح أمر كعب وظهر للناس كذبه ولتبين لعمر أنه شريك في
مؤامرة دبرت لقتله، أو أنه على علم بها وحينئذ يعمل عمر على الكشف عنها بشتى الوسائل وينكل بمدبريها ومنهم كعب، هذا هو المنتظر من أي حاكم عادى يقال له مثل ذلك، فضلًا عن عمر - رضي الله عنه - المعروف بكمال الفطنة وحدة الذهن وتمحيص الأخبار، ولكن شيئًا من ذلك لم يحصل فكان ذلك دليلًا على اختلاقها.
د- وأيضًا فإنها لو صحت لكان معناها أن كعبًا له يد في المؤامرة وأنه يكشف عن نفسه بنفسه وذلك باطل لمخالفة طباع الناس، إذ المعروف أن من اشترك في مؤامرة يبالغ في كتمانها حرصًا على نجاحها وتفاديًا من تحمل تبعتها بعد وقوعها.
وبذلك تبين لنا أن هذه القصة مفتراة بدون أدنى اشتباه، وأن رمى كعب بالكيد للإسلام في شخص عمر - رضي الله عنه - والكذب في النقل عن التوراة اتهام باطل لا يستند إلى دليل أو برهان، ولقد كان عمر والصحابة - رضي الله عنهم - أعلم بحال كعب منا لأنه صحبهم وجالسهم. ولو كان هناك ما يوجب اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضى اتهامه.