فكان أول جلاء أصابهم جلاء بني النضير.
{وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ} .
أي كان ظن المسلمين وظن أهل الكتاب متواردين على تعذر إخراج بني النضير من قريتهم بسبب حصانة حصونهم.
وكان اليهود يتخذون حصوناً يأوون إليها عندما يغزوهم العدوّ مثل حصون خيبر.
وكانت لبني النضير ستة حصون أسماؤها: الكُتيبة (بضم الكاف وفتح المثناة الفوقية) والوَطِيح (بفتح الواو وكسر الطاء) والسُّلاَلم (بضم السين) والنَّطَاةُ (بفتح النون وفتح الطاء بعدها ألف وبهاء تأنيث آخرَه) والوَخْدَة (بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة ودال مهملة) وشَقّ (بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف) .
ونظم جملة {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم} على هذا النظم دون أن يقال: وظَنُّوا أن حصونهم مانعتُهم ليكون الابتداء بضميرهم لأنه سيعقبه إسناد {مانعتهم} إليه فيكون الابتداء بضميرهم مشيراً إلى اغترارهم بأنفسهم أنهم في عزة ومَنَعة ، وأن مَنَعة حصونهم هي من شؤون عزتهم.
وفي تقديم {مانعتهم} وهو وصف على {حصونهم} وهو اسم والاسم بحسب الظاهر أولى بأن يجعل في مرتبة المبتدأ ويجعل الوصف خبراً عنه ، فعدل عن ذلك إشارة إلى أهمية منَعة الحصون عند ظنهم فهي بمحل التقديم في استحضار ظنهم ، ولا عبرة بجواز جعل حصونهم فاعلاً باسم الفاعل وهو {مانعتهم} بناء على أنه معتمد على مسند إليه لأن محامل الكلام البليغ تجري على وجوه التصرف في دقائق المعاني فيصير الجائز مرجوحاً.
قال المرزوقي في شرح (باب النسب) قول الشاعر وهو منسوب إلى ذي الرمة في غير ديوان الحماسة:
فإن لم يكن إلا مُعَرَّج ساعة...
قليلاً فإني نافع لي قليلها
يجوز أن يكون (قليلها) مبتدأ و (نافع) خبر مقدم عليه أي لقصد الاهتمام.
والجملة في موضع خبر (إنّ) والتقدير: إني قليلها نافع لي.