{فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} .
تفريع على مجموع جملتي {ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله} اللتين هما تعليل للقصر في قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب} .
وتركيب (أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) تمثيل ، مُثِّل شأنُ الله حين يسّر أسباب استسلامهم بعد أن صمموا على الدفاع وكانوا أهل عِدة وعُدة ولم يطل حصارهم بحال من أخذ حذره من عدوّه وأحكم حراسته من جهاته فأتاه عدوه من جهة لم يكن قد أقام حراسة فيها.
وهذا يشبه التمثيل الذي في قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده} [النور: 39] .
والاحتساب: مبالغة في الحسبان ، أي الظنّ أي من مكان لم يظنوه لأنهم قصروا استعدادهم على التحصّن والمنَعة ولم يعلموا أن قوة الله فوق قوتهم.
والقذف: الرمي باليد بقوة.
واستعير للحصول العاجل ، أي حصل الرعب في قلوبهم دفعة دون سابق تأمل ولا حصول سبب للرعب ولذلك لم يؤت بفعل القذف في آية [آل عمران: 151] {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب}
والمعنى: وجعل الله الرعب في قلوبهم فأسرعوا بالاستسلام.
وقَذْفُ الرعب في قلوبهم هو من أحوال إتيان الله إياهم من حيث لم يحتسبوا فتخصيصه بالذكر للتعجيب من صنع الله ، وعطفُه على أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا عطف خاص على عام للاهتمام.
والرعب: شدة الخوف والفزع.
وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم"نصرت بالرعب"، أي برعب أعداء الدين.
وجملة {يخربون بيوتهم} حال من الضمير المضاف إليه {قلوبهم} لأن المضاف جزء من المضاف إليه فلا يمنع مجيء الحال منه.
والمقصود التعجيب من اختلال أمورهم فإنهم وإن خربوا بيوتهم باختيارهم لكن داعي التخريب قهري.