وَالصُّلْحُ الَّذِي يُحِلُّ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُ الْحَلَالَ كَالصُّلْحِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ بُضْعٍ حَلَالٍ، أَوْ إحْلَالَ بِضْع حَرَامٍ، أَوْ إرْقَاقَ حُرٍّ، أَوْ نَقْلَ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءً عَنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ، أَوْ أَكْلَ رَبًّا، أَوْ إسْقَاطَ وَاجِبٍ، أَوْ تَعْطِيلَ حَدٍّ، أَوْ ظُلْمَ ثَالِثٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ هَذَا صُلْحٌ جَائِزٌ مَرْدُودٌ.
فَالصُّلْحُ الْجَائِزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الَّذِي يُعْتَمَدُ فِيهِ رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرِضَا الْخَصْمَيْنِ؛ فَهَذَا أَعْدَلُ الصُّلْحِ وَأَحَقُّهُ، وَهُوَ يَعْتَمِدُ الْعِلْمَ وَالْعَدْلَ؛ فَيَكُونُ الْمُصْلِحُ عَالِمًا بِالْوَقَائِعِ، عَارِفًا بِالْوَاجِبِ، قَاصِدًا لِلْعَدْلِ، فَدَرَجَةُ هَذَا أَفْضَلُ مِنْ دَرَجَةِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ، أَمَا إنِّي لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»
وَقَدْ جَاءَ فِي أَثَرٍ: أَصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّ اللَّهُ يُصْلِحُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) }
(فصل: الْمُوَاسَاة لِلْمُؤمنِ أَنْوَاع)
مواساة بِالْمَالِ، ومواساة الجاه، ومواساة بِالْبدنِ والخدمة، ومواساة بِالنَّصِيحَةِ والإرشاد، ومواساة بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَار لَهُم، ومواساة بالتوجع لَهُم.
على قدر الْإِيمَان تكون هَذِه الْمُوَاسَاة، فَكلما ضعف الْإِيمَان ضعفت الْمُوَاسَاة، وَكلما قوي قويت.
وَكَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم النَّاس مواساة لأَصْحَابه بذلك كُله، فلأتباعه من الْمُوَاسَاة بِحَسب اتّباعهم لَهُ.
ودخلوا على بشر الحافي فِي يَوْم شَدِيد الْبرد وَقد تجرد وَهُوَ ينتفض فَقَالُوا مَا هَذَا يَا أَبَا نصر؟
فَقَالَ ذكرت الْفُقَرَاء وبردهم وَلَيْسَ لي مَا أواسيهم بِهِ فَأَحْبَبْت أَن أواسيهم فِي بردهمْ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...