ومنه نقص الصوت {أُوْلَئِكَ الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى} قال الفراء: أخلص قلوبهم للتقوى ، كما يمتحن الذهب بالنار ، فيخرج جيده من رديئه ، ويسقط خبيثه.
وبه قال مقاتل ، ومجاهد وقتادة.
وقال الأخفش: اختصها للتقوى ، وقيل: طهرها من كلّ قبيح ، وقيل: وسعها وسرّحها ، من محنت الأديم: إذا وسعته.
وقال أبو عمرو: كلّ شيء جهدته فقد محنته ، واللام في {للتقوى} متعلقة بمحذوف ، أي: صالحة للتقوى كقولك أنت صالح لكذا ، أو للتعليل الجاري مجرى بيان السبب ، كقولك جئتك لأداء الواجب ، أي: ليكون مجيئي سبباً لأداء الواجب {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} أي: أولئك لهم ، فهو خبر آخر لاسم الإشارة ، ويجوز أن يكون مستأنفاً لبيان ما أعدّ الله لهم في الآخرة.
{إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} هم جفاة بني تميم كما سيأتي بيانه ، و {وراء الحجرات} : خارجها وخلفها ، والحجرات: جمع حجرة ، كالغرفات جمع غرفة ، والظلمات جمع ظلمة ، وقيل: الحجرات جمع حجرة ، والحجر جمع حجرة ، فهو جمع الجمع ، الحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوّط عليها ، وهي فعيلة بمعنى مفعولة.
قرأ الجمهور: {الحجرات} بضم الجيم.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ، وشيبة بفتحها تخفيفاً ، وقرأ ابن أبي عبلة بإسكانها ، وهي لغات ، و"من"في {من وراء} لابتداء الغاية ، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} لغلبة الجهل عليهم ، وكثرة الجفاء في طباعهم.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي: لو انتظروا خروجك ، ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم ، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتجليل.