قوله تعالى: {قد أحاط اللهُ بها} فيه قولان.
أحدهما: أحاط بها عِلْماً أنها ستكون من فُتوحكم.
والثاني: حَفِظها لكم ومَنَعها من غيركم حتى فتحتموها.
قوله تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا} هذا خطاب لأهل الحديبية ، قاله قتادة ؛ {والذين كفروا} مشركو قريش.
فعلى هذا يكون المعنى لو قاتلوكم يومَ الحديبية {لولَّوُا الأدبار} لِما في قلوبهم من الرُّعب {ثم لا يجدون وليّاً} لأن لله قد خذلهم.
قال الزجاج: المعنى: لو قاتلك من لم يقاتِلْك لنُصِرْتَ عليه ، لأن سُنَّة الله النُّصرةُ لأوليائه.
و"سُنَّةَ الله"منصوبة على المصدر ، لأن قوله:"لولَّوُا الأدبار"معناه: سَنَّ اللهُ عز وجل خِذلانهم سُنَّةً ، وقد مَرَّ مِثْلُ هذا في قوله: {كتابَ اللهِ عليكم} [النساء: 24] وقوله: {صُنْع اللهِ} [النمل: 88] .
قوله تعالى: {وهُو الذي كَفَّ أيديَهم عنكم} روى أنس بن مالك أن ثمانين رجلاً من أهله مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلِّحين يريدون غِرَّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِه ، فأخذهم سِلْماً ، فاستحياهم ، وأنزل الله هذه الآية.
وروى عبد الله بن مغفَّل قال:"كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة ، فبينا نحن كذلك إِذ خرج علينا ثلاثون شابّاً ، فثاروا في وُجوهنا ، فدعا عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل جئتم في عهد؟"أو"هل جعل لكم أحد أماناً؟"قالوا: اللهم لا ، فخلَّى سبيلهم ، ونزلت هذه الآية"وذكر قتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خَيْلاً فأتَوه باثني عشر فارساً من الكفار ، فأرسلهم.
وقال مقاتل: خرجوا يقاتِلون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فهزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالطَّعن والنَّبل حتى أدخلهم بيوت مكة.