وبعد أن استقرت هذه الحقيقة في نفوس المؤمنين، جاء نصر الله في المدينة بعد أن أصبح المؤمن لا يتطلع إليه، وإنما يتطلع إلى رضوان الله والجنة.
وجاء نصر الله ذاته، لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج ولهذا الدين واقعية في الحياة الإنسانية، تقرره في صورة عملية محددة، وتبرزه في منتهى الجمال والكمال، ويكون قدوة للبشرية كلها إلى يوم القيامة:
في الإيمان .. وفي العبادات .. وفي المعاملات .. وفي المعاشرات .. وفي
الأخلاق.
تراها الأجيال، وتقتدي بها الأمم في كل زمان ومكان.
فلم يكن النصر للمؤمنين جزاء على التعب والنصب والتضحية، وإنما كان قدراً من قدر الله له حكمته ومنافعه، به مكن الله المؤمنين أن يقيموا حياتهم وفق مراد الله، كما يحب الله، أما جزاؤهم فهو ينتظرهم في الآخرة: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } [التوبة: 100] .
إن الله عزَّ وجلَّ يريد من المؤمنين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها في جميع الأحوال:
أمانة العبادات .. أمانة المعاملات .. أمانة الأخلاق .. أمانة العلم .. أمانة الاستقامة .. أمانة الدعوة .. أمانة الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام.
فيقفون في وجه الشر والفساد والطغيان، ولا يخافون لومة لائم:
سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين كفرعون .. أو الأغنياء المتسلطين بالمال .. أو الأشرار المتسلطين بالأذى .. أو العامة المتسلطين بالهوى ..
وكل ما افترض الله على العباد فهو أمانة، فتعم جميع وظائف الدين.
والأمانة تشتمل على ثلاثة أمور:
الأول: اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه، وعدم التفريط به أو التهاون بشأنه.
الثاني: عفة الأمين عما ليس له به حق.
الثالث: تأدية الأمين ما يجب عليه من حق لغيره.
وأداء الأمانة من صفات المؤمنين كما وصفهم الله بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) } [المؤمنون: 8] .