فَهَذَا - وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَا بُدَّ مِنْهُ - فَلَا وَجْهَ لِعُذْرِهِمْ، وَلَيْسَ عُذْرُهُمْ مِنَ التَّوْبَةِ فِي شَيْءٍ ألْبَتَّةَ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا - فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ بَاطِلًا - فَلَا هُمْ مَعْذُورُونَ، وَلَا طَلَبُ عُذْرِهِمْ مِنْ حَقَائِقِ التَّوْبَةِ، بَلِ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْغَيْرَةَ لِلَّهِ، وَالْغَضَبَ لَهُ، مِنْ حَقَائِقِ التَّوْبَةِ، فَتَعْطِيلُ عُذْرِ الْخَلِيقَةِ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَشِدَّةِ الْغَضَبِ: هُوَ مِنْ عَلَامَاتِ تَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ حَقَائِقِ التَّوْبَةِ أَوْلَى مِنْ عُذْرِ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذَا عُذْرُ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَقَتَلَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ، وَنَمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ، وَأَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، وَإِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، وَكُلِّ كَافِرٍ وَظَالِمٍ، وَمُتَعَدٍّ حُدُودَ اللَّهِ، وَمُنْتَهِكٍ مَحَارِمَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ تَحْتَ الْقَدَرِ، وَهُمْ مِنَ الْخَلِيقَةِ، أَفَيَكُونُ عُذْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ؟
فَهَذَا مِمَّا أَوْجَبَهُ السَّيْرُ فِي طَرِيقِ الْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَجَعَلَهُ الْغَايَةَ الَّتِي يُشَمِّرُ إِلَيْهَا السَّالِكُونَ.
ثُمَّ أَيُّ مُوَافَقَةٍ لِلْمَحْبُوبِ فِي عُذْرِ مَنْ لَا يَعْذِرُهُ هُوَ؟ بَلْ قَدِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ، وَأَبْعَدَهُ عَنْ قُرْبِهِ، وَطَرَدَهُ عَنْ بَابِهِ، وَمَقَتَهُ أَشَدَّ الْمَقْتِ؟ فَإِذَا عَذَرْتَهُ، فَهَلْ يَكُونُ عُذْرُهُ إِلَّا تَعَرُّضًا لِسُخْطِ الْمَحْبُوبِ، وَسُقُوطًا مِنْ عَيْنِهِ؟.