وقد تؤخذ السيادة بالقوة والجبروت والقهر ، دون أن يقدم السيد شيئاً يسود به قومه ، وهذا تلصص على السيادة يبغضه الناس ، لذلك فإن الشرع الإسلامي لم يغفل هذه السيادة الحقيقية ، ولم يغفل وجاهة الناس ومزلتهم ، فقيم ذلك كله ماليا في شركة سماها شركة الوجوه ، فرأس مالي في الشركة أموال ، ورأس مالك وجاهتك ومحبة الناس لك ومنزلتك فِي المجتمع.
والناس يحبون هذه السيادة الحقة التي أخذها صاحبها بحقها ، يحبونها لأنهم ينالون خيرها ، ويئتفعون بها على خلاف السيادة المسرقة التي أخذها صاحبها عونة ، فهم لا يستفيدون منها بشيء ، بل هي سيادة تضرهم ، تأكل خيراتهم.
لذلك قلنا في العبودية: إنها كلمة نكرهها ، إن كانت عبودية بشر لبشر ، لأنها عبودية تعطى خير العبد لسيده ، إنما العز كله فِي أن تكون العبودية لله تعالى ، حيث يأخذ العبد خير سيده.
وتأمل كيف كانت العبودية شرفاً وتكريماً لسيدنا رسول الله حينما
خاطبه ربه بقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ... (1) } [الإسراء] فعبودية محمد لله هي التي أوصلته إلي هذه المنزلة التي لم يصل إليها بشر سواه.
وصدق الشاعر حين قال:
حَسَب نَفْسِى عِزّا بَانِي عَبْد ... يُحْتَفَى بِي بِلَا مَوَاعِيْد رَب
هُو فِي قُدْسِه الْأَعَز وَلَكِن ... أَنَا أَلْقَى مَتَى وَأَيْن أَحَب
فإن أردت أن تقابل ربك ، فالأمر في يدك ، فأنت تحدد مكان المقابله وزمانها وموضوعها ، في الشارع ، في البيت ، في العمل ، في المسجد مجرد أن تتوضأ وتقول: الله أكبر في حضرة ربك ، ثم أنت الذي تنهى المقابله إن شئت ، وربك عز وج لا يمل حتى تملوا. فأي عز فوق هذا ؟