كذلك أخفى الله تعالى عنا وقت الساعة ، لكى نتوقعها في كل وقت ، وننتظرها كل لحظه ، وهذا أدعى للاستقامة والخوف من المعصية ، ومن أدراك أن تقوم الساعة وأنت على معصيه الله ، إذن: الإبهام هنا عين البيان.
وهو مقصد من مقاصد الحق سبحانه ، ليشيع الحكم في كل زمان. وإلا لو عرف الإنسان أجله لسار في الدنيا كما نقول (على حل شعوه) يعربد فيها كما يشاء ، ثم يتوب قبل الموت ، لذلك لم يجعل الله تعالى للموت سبباً ، فحين لا ترى سبياً قلْ مات لإنه يموت ، صدق من قال: والموت من دون أسباب هي السبب.
ورحم الله شوقى حين قال في الموت:
فِي الْمَوْت مَا أَعْيَا وَفِي أَسْبَابِه ... كُل امْرِى رَهْن يُطِى كِتَابَه
أَسَد لَعَمْرُك مَن يَمُوْت يُظْفِرُه ... لْعَنْد الْلِّقَاء كَمَن يَمُوْت بِنَابِه
إِن نَام عَنْك فَكُل طِب نَافِع ... أَو لَم يَنَم فَالَطَّب مِن أَذْنَابَه
وكثيراً ما نرى المريض يموت بسبب حقنة أعطاها له الطبيب ، وعملية جراحية غير موفقة.
وصدق من قال:
سُبْحَان مَن يَرِث الْطَّبِيْب وَطْبَه ... وَيَرَى الْمَرِيْض مَصَارِع الْآَسِيْنَا
لكن مع ذلك. يجعل الله لها علامات لطفاً بنا ورحمة ، علامات
صغرى وعلامات كبرى ، لذلك يقول سبحانه عن الساعة: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ... (15) } [طه]
يعني: قاربت أن أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى ، والعلامات الكبرى ، لأنها أصبحت قريبة ، وقلنا: أن الهمزة في (أخفيها) همزة إزلة يعني: أزيل خفاءها ، مثل همزة (أعجم) تقول: أعجم الكتاب أي: أزال عجمته وإبهامه بوضع النقط على الحروف ، ومنه سميت الكتب التي توضح معاني المفردات: معاجم.
وقد تكون الإزالة بالتضعيف مثل (قشرت البرتقالة) يعني: ازلتُ قشرتها.