كلمة {وَمَا يُدْرِيكَ ...} [الشورى: 17] معنى الدراية: الإعلام ، كما نقول: هل دريْتَ بالموضوع الفلاني ، يعني: علمتَ به.
وفى علم الأصول يقسمون العلم إلى: علم دارية ، وعلم رواية ، فعلم الرواية كالذي يحفظ القرآن الكريم بالقراءات السبع أو العشر أو الأربعة عشرة ، ومع ذلك ربما لا يعرف تفسيره ؛ لأن علمه بالقرآن علم رواية فحسب ، أما الذي تخصص في تفسيره
ومعرفة معانيه وأحكامه ، فهذا العلم يعد علم دراية ، فالدراية إذن علم بالتفصيل ، والروإية علم بالإجمال الكلي.
ومن حكمته تعالى أن يكون حفظه القرآن ليسوا من العلماء - إلا فيما ندر - لأن العالم إذا ما وقف حفظه عند كلمه معينه ربما دعاه علمه إلي التصرف فيها بلفظ آخر ، كما في (فتبينوا ، فتثبتوا) مثلاً ، أما الذي حفظ القرآن راوية فحسب ، فإذا وقف أمام كلمة ناسياً لها ، فإنه لا يتجاوزها حتى يفتح الله عليه بما نسيه ، وبذلك حفظ الله كلامه.
ونلحظ أن هذا الفعل جاء بصيغه المضارع {وَمَا يُدْرِيكَ ... . (17) } [الشورى] وجاء بصيغة الماضى {وَمَا أَدْرَاكَ ... (14) } [المرسلات] ولكل منها مدلول ، فساعة يقول سبحانه {وَمَا يُدْرِيكَ ... . (17) } [الشورى] يعني: لا وسلية إلى أن يعلمك أحد بها أبداً لا في الحال ، ولا في الأستقبال. أما {وَمَا أَدْرَاكَ ... (14) } فتدل على أنه نفى أن يعلمه أحد قبل الآن ، ومن الممكن أن نعلمه نحن.
ومن ذلك قوله تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) } [المدثر]
وقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) } [المرسلات]
وقال: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) } [الحاقة]