فكأنهم أرادوا تجهيل محمد ، فنبَّههم الله إلى أنهم هم الجهلة . وعجيب أن يعترض اليهود على هذا التوقيت ، مع أنه التوقيت العبادي لسيدنا موسى عليه السلام ، ألم يقل سبحانه: {وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ ...} [الأعراف: 142] .
إذن: فقوله تعالى: {وازدادوا تِسْعاً} [الكهف: 25] فيه إعجاز أدائي بليغ ، يدل على أنَّ التسْع سنين إنما جاءتْ زيادةً من داخل الثلاثمائة ، وليستْ خارجة عنها .
ثم سألوه صلى الله عليه وسلم عن رجل جوَّال ، فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين ...} [الكهف: 83] .
فكان ينبغي أن يلفتهم ذلك إلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن يسألوا أنفسهم: من أين له هذا العلم ، وهو الأميُّ الذي لم يجلس مرة إلى مُعلِّم؟
لذلك قلنا: إن الأُمية عَيْبٌ في كل إنسان ، إلا أنها كانت شرفاً وميزة في رسول الله بالذات ؛ لأنها تعني في حقِّ رسول الله أنه لم يُعلِّمه بشر كما اتهموه ، إنما علمه ربه .
كذلك كانت الأمة الت نزل فيها القرآن أمة أمية ، وهذا أيضاً شرف في حقها ، فلو أن هذه الأمة كانت أمةَ علم وثقافة لقالوا عن الإسلام: إنه قفزة حضارية ، لكنها كانت أمة أمية يسودها النظام القبلي ، فلكل قبيلة قانونها ونظامها ، ولكل قبيلة رئيسها ، ومع ذلك خرج منهم مَنْ جاء بنظام عام يصلح لسياسة الدنيا كلها ، إلى أنْ تقوم الساعة ، وهذا لا يتأتَّى إلا بمنهج إلهي .
إذن: الأمية في العرب شرف ، وعجزهم عن محاكاة القرآن ، والإتيان بمثله أيضاً شرف لهم ، فكوْن الحق سبحانه يتحدَّاهم بأسلوب القرآن دليل على عظمتهم في هذا المجال ، وإلا فأنت لا تتحدَّى الضعيف إنما تتحدَّى القوي في مجال التحدي ، فكأن تحدِّى الله العرب شهادة منه سبحانه بأنهم أفصح الخَلْق ؛ لذلك جاءهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه .