ثم إن زيداً لما أخبره بأنه يريد فراقها وشكا منها غلظة القول وعصيان الأمر والأذى باللسان والتعظم بالشرف قال له: اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك زينب، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا الذي كان يخفي في نفسه ولكنه فعل ما يجب عليه من الأمر بالمعروف. قال علماؤنا رحمهم الله: وهذا القول أحسن ما قيل في هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي أبي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، انتهى ما قاله القرطبي ملخصاً.
(واتق الله) في أمرها ولا تعجل بطلاقها (وتخفي) الواو للحال أي والحال أنك تخفي (في نفسك ما الله مبديه) هو نكاحها إن طلقها زيد،
وقيل: حبها.
(وتخشى الناس) أي تستحييهم أو تخاف من تعييرهم أن يقولوا: أمر مولاه بطلاق امرأته ثم تزوجها (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) في كل حال وتخاف منه وتستحييه ولا تأمر زيداً بإمساكه زوجته بعد أن أعلمك الله أنها تكون زوجتك فعاتبه الله على هذا، قال بعضهم: وما ذكروه في تفسير هذه الآية من وقوع محبتها في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإرادته طلاق زيد لها فيه أعظم الحرج، وما لا يليق بمنصبه - صلى الله عليه وسلم - وإقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وبفضله، وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت ولا كانت النساء يحتجبن منه - صلى الله عليه وسلم - وهو زوجها لزيد، فلا يشك في تنزيه النبي (- صلى الله عليه وسلم -) عن أن يأمر زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها قال: وأصح ما في هذا الباب ما قاله علي ابن الحسين: إن الله قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وإن زيداً سيطلقها؛ فلما جاء زيد وقال: إني أريد أن أطلقها، قال له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله تعالى، وقال: لم قلت أمسك عليك زوجك؟ وقد أعلمتك أنها ستكون زوجتك.