قال الخطيب: وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة، لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه، ولم يظهر غير تزويجها منه، فقال تعالى: زوجناكها. فلو كان الذي أضمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر الله أنه يظهره، ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله من أنها ستكون زوجته، وإنما ذلك استحياء أن يخبر زيداً أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي.
قال الكرخي: وهذا القول هو المنصور المعول عليه عند الجمهور.
وقال البغوي: وهذا هو الأولى، وإن كان الآخر - وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها - لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء، ما لم يقصد فيه المأثم لأن الود وميل النفس من طبع البشر انتهى. ولهذا قال ابن عباس: كان في قلبه حبها. وقال قتادة: ود أنه لو
طلقها زيد. قال الخازن: وهذا قول حسن مرضي، وكم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلّماً إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين، وهو إنما جعل طلاق زيد لها وتزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها؛ لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال تعالى: (لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم) .
(فلما قضى زيد منها وطراً) قضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء يقال قضى وطراً منه إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه، والمراد هنا أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة، وتقاصرت عنه همته وطابت عنها نفسه. وقيل المراد به الطلاق لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. وقال المبرد: الوطر الشهوة والمحبة.