ثم يُصبِّر الحق سبحانه نبيه ويُسلِّيه: {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] .
إذن: ردُّ الحق سبحانه على هذا الإيذاء جاء على نوعين: نوع في الدنيا بأنْ ينصرَ اللهُ نبيَّه عليهم ، كما بشَّره الله بقوله: {سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر} [القمر: 45] .
والآخر رَدٌّ أخروي يوم القيامة ؛ لذلك قال تعالى: {يَسْأَلُكَ الناس عَنِ الساعة ...} [الأحزاب: 63] .
والسؤال الذي سُئِلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متوجهاً إلى أمرين: الأول: إعجازي لأنهم كانوا يعملون من كتبهم وأنبيائهم بعض الأمور ، فيريدون أنْ يُحرِجوا بها رسول الله حين يسألونه عنها ، فلم يجدوا جواباً ، وهم يعرفون أن رسول الله أُمِيٌّ لا يقرأ ولا يكتب ، ولم يجلس أبداً إلى مُعلِّم ، لكن الحق سبحانه كان يُسِعف رسوله ويُعلمه الجواب ، فيجيب عليهم الجواب الصحيح ، فيموتون غيظاً ، ويتمحكون في أيِّ مسألة ليثبتوا لأنفسهم أن محمداً لا يعلمها .
من ذلك مثلاً سؤالهم عن أهل الكهف: كم لبثوا؟ فأجابهم الله تعالى: {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعاً} [الكهف: 25] فقالوا: نحن نعلم أنها ثلاثمائة ، فمن أين هذه الزيادة؟ وجهلوا أن تقويت المناسك الإلهية في الدين إنما يقوم على التقويم الهلالي لا على حركة الشمس ؛ لأن مُقْتضى ما تعطيه لنا الشمس أن نعلم بها بداية اليوم ونهايته ، لكن لا نعرف بها أول الشهر ولا آخره .
أما التوقيت العربي الهلالي ، فله علامة مميزة هي ظهور الهلال أول الشهر ، وإذا ما قارنْتَ بين التقويم الهلالي والتقويم الميلادي تجد أن كل سنة هجرية تنقص أحد عشر يوماً عن السنة الشمسية ، فالثلاثمائة سنة الميلادية تساوي في السنة الهجرية ثلاثمائة وتسعة .