قال ابن عبد البر: وقوله - صلى الله عليه وسلم:"توضئوا مما مست النار"أمر منه بالوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعامًا مسته النار، وذلك عند أكثر العلماء، وعند جماعة أئمة الفقهاء منسوخ بأكله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا مسته النار، وصلاته بعد ذلك دون أن يحدث وضوءًا فاستدل العلماء بذلك على أن أمره بالوضوء مما مست النار منسوخ، وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة، ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ، أو لم يعرفوا غير الوجه الواحد، فكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار.
ثم قال: والأصل أن لا ينتقض وضوء مجتمع عليه إلا بحديث مجتمع عليه أو بدليل من كتاب أو سنة لا معارض له.
الوجه السادس: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُنْتَقض وضوئه بالنوم.
فقد أورد البخاري في صحيحه من حديث عائشة - رضي الله عنها - حديثا في قصة
التهجد وفيه: قلت: قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟.
قال ابن حجر: وهو ظاهر في أن ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن الملقن: كان لا ينتقض وضوءه بالنوم بخلاف غيره؛ لأنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه.
قال النووي في شرحه لحديث مسلم الذي أورده في باب (صلاة الليل وعدد الركعات) وفيه أن عائشة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ:"يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي".
ثم ذكر النووي أن: (هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) .
قال ابن حجر: وَكَانَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَتَّى عَائِشَةَ مَرْفُوعًا"إنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم -"نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"، وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي حديث الإسراء.