قال النووي: ذكر مسلم - رحمه الله تعالى - في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، ثم عقبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار؛ فكأنه يشير إلى أن الوضوء منسوخ، وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالناسخ. وقد اختلف العلماء في قوله - صلى الله عليه وسلم:"توضئوا مما مست النار"، فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، ممن ذهب إليه: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وعائشة - رضي الله عنهم -، وهؤلاء كلهم صحابة، وذهب إليه جماهير التابعين وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبي ثور، وأبي خيثمة - رحمهم الله - وذهب طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي - وضوء الصلاة بأكل ما مسته النار - وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز،
والحسن البصري، والزهري، وأبي قلابة، وأبي مجلز، واحتج هؤلاء بحديث"توضئوا مما مسته النار"، واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار. وقد ذكر مسلم هنا منها جملة، وباقيها في كتب أئمة الحديث المشهورة وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين أحدهما: أنَّه منسوخ بحديث جابر - رضي الله عنه - قال: كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار.
وهو حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيد صحيحة.
والجواب الثاني: أنَّ المراد بالوضوء غسل الفم والكفين.
وقد اعترض ابن عبد البر في"التمهيد"على هذا الجواب الثاني.
ثم قال رحمه الله (أي النووي) : ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار والله أعلم.