قال أبو عبيد: فأرى أن الله قد أثنى على من أحسن إلى أسير المشركين، ولم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - يقدمون للأسرى ما بقي من طعامهم بل كانوا ينتقون لهم أجود ما لديهم من طعام، ويجعلونهم يأكلونه عملًا بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم، وها هو أبو عزيز (4) - شقيق مصعب بن عمير - رضي الله عنه - يحكي ما حدث يقول: كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خَصَّوْني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها؛ فأستحي فأردّها فيردّها عَلَيَّ ما يمسّها! قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، أي أنّه لم يكن شخصية عادية، بل كان من أشدّ المشركين على المسلمين، فلا يحمل اللواء إلا شجعان القوم وسادتهم، ولكن هذا لم يغير من الأمر شيئًا، لأن
الرحمة بالأسير أصل من أصول التعامل لا يجوز التخلي عنه تحت أي ظرف.
المطلب الثاني: كسوة الأسرى
لم يقتصر المسلمون على إطعام أسراهم من المشركين؛ بل إنهم كانوا يُقدّمون لهم الملابس أيضا، وهذا ثابت في الصحيح، فقد جعل البخاري -رحمه الله- بابًا في الصحيح سمّاه: باب الكسوة للأُسارى، وذكر فيه أن جابر بن عبد الله قال: (لمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَنَظَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْه فَكَسَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِيَّاهُ ... ) .
المطلب الثالث: توفير المأوى لهم حتى يتمّ النظر في شأن الأسرى
كان المسلمون يجعلونهم في أحد مكانين، إما المسجد وهو أشرف مكان عند المسلمين، وإما بيوت الصحابة - رضي الله عنهم، - وكان المستهدف من إبقاء الأسرى في المسجد أن يَرَوْا أخلاق المسلمين وعبادتهم لعلهم يتأثّرون بها، فيدخل الإيمان في قلوبهم، وقد حدث هذا بالفعل مع بعضهم كثمامة بن أثال - رضي الله عنه -.