الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل بهم ذلك الأمر قصاصًا.
الوجه الرابع: أنه منسوخ وكان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة.
وإليك التفصيل
المبحث الأول: الرد الإجمالي
الوجه الأول: بيان رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحسن خلقه.
هذه الشبهة البغيضة إنما تطعن في جانب رحمته بالخلق عامة؛ وبأعدائه خاصة؛ وإنني إذا أردت الحديث عن رحمته - صلى الله عليه وسلم - لا تكفيني هذه الوريقات؛ وإنما هي إشارات وأمارات أدلل بها على سعة رحمته بكل العوالم في الكون الفسيح؛ وصدق ربب إذ يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
وإنني إذا أردتُّ الحديث عن أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -، أرى كأنني أقف أمام بحر لا ساحل له، ينتابني ما ينتاب فقيرًا خيّم الجوع على أحشائه؛ وقد دُعي إلى مأدبة ملك، لا يدري من أين يبدأ!! ولعلي أبدأ بحاله - صلى الله عليه وسلم - في معاملة الحيوان (البهائم التي لا تعقل) ، ثم أعرج على بيان حال معاملته مع أعدائه؛ لأدلل بالأولى على الثانية؛ لاسيما إذا كان هؤلاء الأعداء ممن يدخلون تحت قول الله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء: 70] فهم داخلون في عموم التكريم دون خصوصه! فعجبًا لأهل الكفر الذين يطعنون في دين الإسلام، بدعوى أنه انتهك حقوق الإنسان، أما قرأ أولئك عن حال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الحيوان؛ لتستبين لهم حرمة الإنسان في دين الإسلام؟! فها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن اتخاذ شيء فيه الروحُ غرضًا يُرمى؛ أفينهى عن ذلك في الحيوان؛ ويرضاه في الإنسان؛ {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) } [الكهف: 5] .