الوجه الثالث: حديث النهي عن الحكم حالة الغضب، وسبب النهي.
الوجه الرابع: التوفيق بين الحديثين، وأقوال العلماء.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس كغضب غيره.
قال النووي: وفيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب وأنه نافذ لكن يكره ذلك في حقنا ولا يكره في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف علينا والله أعلم.
وقال ابن القيم: ولا يصح القياس على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه معصوم في غضبه ورضاه، فكان إذا غضب لم يقل إلا حقًّا كما كان في رضاه كذلك.
وقال ابن بطال: فإن قيل: فقد قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان، قيل: إنما فعل ذلك لأنه لم يخش التجاوز والميل في حكمه؛ لأنه معصوم بخلاف غيره من البشر.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم من الخطأ فلا يقال إنه داخل في النهي مع سائر المكلفين لأن حاله
لا تقاس بحال غيره وقد جاء في حديث عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا أَتكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَشَرٌ يَتكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ:"اكْتُبْ فوالذي نَفْسِي بِيَدهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلا حَقٌّ".
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن كل ما يصدر منه - صلى الله عليه وسلم - حق، وأنه إن حصل منه شيء في حال الغضب فهو حق، ولا يصدر منه إلا حق - صلى الله عليه وسلم -، سواء في حال الرضا أو في حال الغضب.
وقال البغوي: وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه الحاكم أن يحكم وهو غضبان، وذلك لأنه كان معصوما من أن يقول في السخط والرضا إلا حقًّا.