وكما هو معلوم أن الجنون لا يبيح الجريمة، ولكنه يرفع حكمها عن الجاني؛ فإذا كان الجنون معاصرًا للجريمة لا توقع على الجاني عقوبة.
الوجه الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى
فهذه الكلمة في هذا الموطن لو كان فيها شيء لعاتبه الله -عَزَّ وَجَلَّ- على ذلك؛ كما وقع العِتَابُ في أمور معروفة فلمّا لم يقع شيء من ذلك علم أنها لا شيء فيها.
وكذلك لو كان فيها شيء لاحتج عليه بها أعداؤه من اليهود والمنافقين والمشركين في المدينة وخارجها، ولم يقع شيء من ذلك؛ لأنها لا شيء فيها عندهم فهل عرف هؤلاء عن اللغة ما لم يعلمه من سبق؟.
الوجه السادس: أن الحدود تدرأ بالشبهات ولا تقام إلا باليقين وأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وذلك لأن الخطأ في العفو يمكن استدراكه بإيقاع العقوبة بعد التيقن، أما الخطأ في العقوبة فأنى يمكن استدراكه إذا تبين الخطأ بعد قتل الرجل، وهذه القاعدة من القواعد الهامة في الشريعة.
والحدود هي العقوبات المقدرة، ويدخل تحت الحدود العقوبات المقررة لجرائم الحدود والعقوبات المقررة لجرائم القصاص، والدية.
ولقد عقد كثير من العلماء عنوانًا في كتابه بهذه القاعدة. فقال ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الحدود: في درء الحدود بالشبهات.
وقال البيهقي في السنن (1) : باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات.
وقال الترمذي في الباب الثاني من كتاب الحدود: باب ما جاء في درء الحدود.
وفي هذا المعنى آثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن صحابته يقوي بعضها بعضًا، وتدل على أن للقاعدة أصلًا؛ منها ما يلي:
1 -حديث ماعز الذي معنا فإنه يعد من أهم الأدلة على هذه القاعدة.
2 -عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.
3 -عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل سرق شملة فقيل يا رسول الله إن هذا قد سرق. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما أخاله يسرق أسرقت؟ قال: نعم. قال:"