وهذه المسألة من هذا الباب فعلم مما مر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - راعى أعظم المصلحتين؛ وهي حفظ الدماء، ولو بتفويت أدناهما، وهو ترك النطق بهذه الكلمة، وحاول دفع أعظم المفسدتين وهي سفك الدم من غير تبين ولو بالوقوع في أقلهما، وهي النطق بهذه الكلمة.
فإذا كان اللفظ يحتمل اللبس والإشكال أو المجاز، فعند ذلك يذكر الاسم الصريح ولا خجل، ولا عيب في حدود الله، وتقدير النفس البشرية، كقول الله -جل جلاله-: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ، فذكر الله تعالى الاسم الصريح للفاحشة، وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للزاني:"أنكتها"ذكره بالاسم الصريح، لئلا يقع في اللبس والإشكال، ولم يؤثر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صرح إلا لحاجة ضرورية قصة ماعز - رضي الله عنه - لما قال:"أنكتها؟"يصرح لا يكني؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد درء الحد عن ماعز، ولا يريد منه أن يعترف بمستور تمحوه التوبة؛ ولولا أن القضية قضية نفس إنسانية لما سمعها أحد من لسانه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الحاجة هنا داعية للتصريح، حتى يتبين الأمر جليًا، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه الكلمة لم تسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل هذه الحادثة ولا من بعد؛ لأن الأمر كان حياة إنسان.
فهذا ما ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم - محاولًا تبرئة الزاني خوفًا من أن يكون فهم معنى الزنا بالخطأ، ولكن لو تدبروا الحديث لوجدوا فيه الكثير من العبر وسماحة الإسلام، وقوة إيمان أمته.
قال ابن حجر: وفيه التثبت في إزهاق نفس المسلم والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصة من ترديده والإيماء إليه بالرجوع والإشارة إلى قبول دعواه إن ادعى إكراهًا أو خطأ
في معنى الزنا أو مباشرة دون الفرج مثلًا أو غير ذلك، وفيه مشروعية الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام، وفي المسجد والتصريح فيه بما يستحيى من التلفظ به من أنواع الرفث في القول من أجل الحاجة الملجئة لذلك.