وقوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} : هذا هو المقصود بالنفي؛ فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: زيد بن محمد، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} كما قال في أثناء السورة: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الأحزاب: 40) وقال هاهنا: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان.
وقوله: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} فيه لطيفة: وهو أن الكلام المعتبر على قسمين:
أحدهما: كلام يكون عن شيء كان فيقال.
والثاني: كلام يقال فيكون كما قيل، والأول كلام الصادقين الذين يقولون ما يكون، والآخر كلام الصديقين الذين إذا قالوا شيئًا جعله الله كما قالوه، وكلاهما صادر عن قلب، والكلام الذي يكون بالفم فحسب هو مثل نهيق الحمار، أو نباح الكلب؛ لأن الكلام المعتبر هو الذي يعتمد عليه، والذي لا يكون عن قلب لا اعتماد عليه، والله تعالى ما كرم ابن آدم وفضله على سائر الحيوانات ينبغي أن يحترز من التخلق بأخلاقها، فقول القائل: هذا ابن فلان مع أنه ليس ابنه ليس كلامًا؛ فإن الكلام في الفؤاد وهذا في الفم لا غير، واللطيفة هي أن الله تعالى قال هنا: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} وقال في قوله: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} (التوبة: 30) يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له، ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضًا في قلب فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.