الدليل الثاني: أنه قد روي عن عائشة (1) ، وأنس (2) - رضي الله عنهما - أنهما قالا: « لَوْ كَانَ رَسُولُ (كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ (» .
قالوا: وهذا يدل على أنه (وقع منه حبٍ لزينب ، وأنه كان يخفي ذلك ، حتى أظهره الله تعالى .
واعتُرِضَ: بأن مراد عائشة ، وأنس رضي الله عنهما: أن رغبة النبي (في تزوج زينب ، كان سراً في نفسه لم يُطلِعْ عليه أحداً ، إذ لم يؤمر بتبليغه إلى أحد ، وعلى ذلك السر انبنى ما صدر منه لزيد في قوله: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (، ولما طلقها زيد ورام تزوجها ، علم أن المنافقين سيرجفون بالسوء ، فلما أمره الله بذكر ذلك للأمة ، وتبليغ خبره ، بَلَّغَهُ ولم يكتمه ، مع أنه ليس في كتمه تعطيل شرع ، ولا نقص مصلحة ، فلو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية ، التي هي حكاية سِرٍّ في نفسه ، وبينه وبين ربه تعالى ، ولكنه لما كان وحياً بلغه ؛ لأنه مأمور بتبليغ كل ما أنزل إليه.(3)
المبحث الخامس: الترجيح:
الحق أن هذه القصة مختلقة موضوعة على النبي (، وأن الآية لا يصح في سبب نزولها إلا حديث أنس (( 4)
(1) أخرجه مسلم في صحيحه ، في كتاب الإيمان ، حديث (177) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب التوحيد ، حديث (7420) .
(3) انظر: التحرير والتنوير (***) .
(4) عن أنس (قال: « جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ (يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ ، وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ » .
أخرجه البخاري في صحيحه ، في كتاب التوحيد ، حديث (7420) .
وأخرجه في كتاب التفسير ، حديث (4787) ، عن أنس (، بلفظ: « أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ (نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ » .
وأخرجه الترمذي ، في سننه ، في كتاب التفسير ، حديث (3212) ، عن أنس ، بلفظ: « لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ:(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ (فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو ، فَهَمَّ بِطَلَاقِهَا ، فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ (، فَقَالَ النَّبِيُّ (: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ » . قال الترمذي: « حديث حسن صحيح » .