وقوله تعالى: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ...} [الأحزاب: 33] كلمة التبرج من البُرْج ، وهو الحصن ، ومعنى تبرَّج أي: خرج من البرج وبرز منه ، والمعنى: لا تخرجن من حصن التستر ، ولا تبدين الزينة والمحاسن الواجب سَتْرُها .
وقال {تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى ...} [الأحزاب: 33] أي: ما كان من التبرج قبل الإسلام ، وكانت المرأة - ونعني بها الأَمَة لا الحرة - تبدي مفاتن جسمها ، بل وتظهر شبه عارية ، وكُنَّ لا يجدْنَ غضاضة في ذلك ، وقد رأينا مثل هذا مثلاً في إفريقيا .
أما الحرائر في الجاهلية ، فكانت لهُنَّ كرامة وعِفّة ، في حين كانت تُقام للإماء أماكن خاصة للدعارة والعياذ بالله ؛ لذلك لما أخذ رسول الله العهد على النساء المؤمنات ألاَّ يَزْنين قالت امرأة أبي سفيان: أو تزني الحرة يا رسول الله؟ يعني: هذا شيء مستنكف من الحرة ، حتى في الجاهلية .
ومن معاني البرج: الاتساع ، فيكون المعنى: لا تُوسِّعْنَ دائرة التبرج التي حددها الشرع ، وهي الوجه والكفان .
وفي موضع آخر ، قال تعالى: {والقواعد مِنَ النسآء اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ...} [النور: 60] .
وتعجب من المرأة تبلغ الخمسين والستين ، ثم تراها تضع الأحمر والأبيض ، ولا تخجل من تجاعيد وجهها ، ولا تحترم السنَّ التي بلغتْها .
ثم يقول سبحانه: {وَأَقِمْنَ الصلاة وَآتِينَ الزكاة ...} [الأحزاب: 33] كثيراً ما قرن القرآن بين الصلاة والزكاة ، وبدأ بالصلاة ؛ لأنها عمدة التكاليف كلها ، وإنْ كنتَ في الزكاة تنفق بعض المال ، والمال فرع العمل ، والعمل فرع الزمن ، فأنت في الصلاة تنفق الزمن نفسه وتضحي به ، فكأنك في الصلاة تنفق نسبة سبعة وتسعين ونصف بالمائة ، فضلاً عن الاثنين ونصف نسبة الزكاة .