فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فاعلم أنها بجملتها أنوار لأنها تظهر أصناف الموجودات ، والحسى والخيالي منها ، وإن كان يشارك البهائم في جنسها ، لكن الذي للإنسان منه نمط آخر أشرف وأعلى ؛ وخلق الإنسان لأجل غرض أجل وأسمى. أما الحيوانات فلم يخلق ذلك لها إلا ليكون آلتها في طلب غذائها في تسخيرها للآدمي. وإنما خلق للأدمي ليكون شبكة له يقتنص بها من العالم الأسفل مبادئ المعارف الدينية الشريفة. إذ الإنسان إذا أدرك بالحس شخصا معينا اقتبس عقله منه معنى عاما مطلقا كما ذكرنا في مثال حبو عبد الرحمن بن عوف. وإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فلنرجع إلى عرض الأمثلة.
بيان أمثلة هذه الآية
اعلم أن القول في موازنة هذه الأرواح الخمسة للمشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت يمكن تطويله ، لكني أوجزه وأقتصر على التنبيه على طريقه فأقول: أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من ثقب عدة كالعينين والأذنين والمنخرين وغيرها. وأوفق مثال له من عالم الشهادة المشكاة. وأما الروح الخيالي فنجد له خواص ثلاثا: إحداهما: أنه من طينة العالم السفلي الكثيف: لأن الشيء المتخيل ذو مقدار وشكل وجهات محصورة مخصوصة. وهو على نسبة من المتخيل من قرب أو بعد. ومن شأن الكثيف الموصوف بأوصاف الأجسام أن يحجب عن الأنوار العقلية المحضة التي تتنزه عن الوصف بالجهات والمقادير والقرب والبعد.
الثانية: أن هذا الخيال الكثيف إذا صفّى ودقق وهذّب وضبط صار موازيا للمعاني العقلية ومؤديا لأنوارها ، غير حائل عن إشراق نورها منها.