فأما العقل إذا تجرد عن غشاوة الوهم والخيال لم يتصور أن يغلط ؛ بل رأى الأشياء على ما هي عليه ، وفي تجريده عسر عظيم. وإنما يكمل تجرده عن هذه النوازع بعد الموت ، وعند ذلك ينكشف الغطاء وتنجلي الأسرار ويصادف كل أحد ما قدم من خير أو شر محضرا ؛ ويشاهد كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وعنده يقال ، فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد. وإنما الغطاء غطاء الخيال والوهم وغيرهما ؛ وعنده يقول المغرور بأوهامه واعتقاداته الفاسدة وخيالاته الباطلة (رَبَّنا أَبصَرنا وَسَمِعنا فَاَرجِعنا نَعمَل صالِحاً) الآية.
فقد عرفت بهذا أن العين أولى باسم النور من النور المعروف ، ثم عرفت أن العقل أولى باسم النور من العين. بل بينهما من التفاوت ما يصح معه أن يقال إنه أولى بل الحق أنه المستحق للاسم دونه.
دقيقة