فجمع للخليفة كل هذه الصفات ومدحه بأشهر الخصال عند العرب ؛ لذلك قام إليه أحد الحاقدين وقال معترضاً عليه: كيف تشبه الخليفة بصعاليك العرب؟ فالأمير فوق مَنْ وصفتَ .
فأكمل أبو تمام على البديهة وبنفس الوزن والقافية:
لاَ تُنكروا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَهُ مثَلاً ... شَرُوداً في النَّدَى والبَاسِ
فَاللهُ قَدْ ضربَ الأقلَّ لنُورِهِ ... مَثَلاً من المشْكَاةِ والنِّبراسِ
فالله تبارك وتعالى هو نور السماوات والأرض أي: مُنوِّرهما ، وهذا أمر واضح جداً حينما تنظر إلى نور الشمس ساعة يظهر يجلو الكون ، بحيث لا يظهر معه نور آخر ، وتتلاشى أنوار الكواكب الأخرى والنجوم رغم وجودها مع الشمس في وقت واحد ، لكن يغلب على نورها نور الشمس ، على حَدٍّ كقول الشاعر في المدح:
كأنكَ شَمْسٌ والمُلوكُ كَواكبٌ ... إذَا ظَهَرتْ لَمْ يَبْدُ منهُنّ كوكَبُ
ثم يقول سبحانه: {نُّورٌ على نُورٍ} [النور: 35] فلم يتركنا الحق سبحانه وتعالى في النور الحسيِّ فقط ، إنما أرسل إلينا نوراً آخر على يد الرسل هو نور المنهج الذي ينظم لنا حركة الحياة ، كأنه تعالى يقول لنا: بعثت إليكم نوراً على نور ، نور حِسيِّ ، ونور قيمي معنوي ، وإذا شهدتم أنتم بأن نوري الحسيّ ينير لكم السماوات والأرض ، وإذا ظهر تلاشت أمامه كل أنواركم ، فاعلموا أن نور منهجي كذلك يطغَى على كل مناهجكم ، وليس لكم أن تأخذوا بمناهج البشر في وجود منهج الله .
وقوله تعالى: {يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} [النور: 35] أي: لنوره المعنوي نور المنهج ونور التكاليف ، والكفار لم يهتدوا إلى هذا النور ، وإنِ اهتدوا إلى النور الحسيِّ في الشمس والقمر وانتفعوا به ، وأطفأوا له مصابيحهم ، لكن لم يكُنْ لهم حظ في النور المعنوي ، حيث أغلقوا دونه عيونهم وقلوبهم وأسماعهم فلم ينتفعوا به .