وجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً بناء على أن {مَا} عبارة عما حرم في قوله سبحانه: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة} [المائدة: 3] الآية ، وفيه ما ليس من جنس الأنعام ، والفعل على الوجهين لم يرد منه الاستقبال لسبق تلاوة آية التحريم ، وكأن التعبير بالمضارع استحضاراً للصورة الماضية لمزيد الاعتناء ، وقيل: التعبير بالمضارع للدلالة على الاستمرار التجددي المناسب للمقام ، والجملة معترضة مقررة لما قبلها من الأمر بالأكل والإطعام ودافعة لما عسى يتوهم أن الإحرام يحرم ذلك كما يحرم الصيد {فاجتنبوا الرجس} أي القذر {مِنَ الاوثان} أي الذي هو الأوثان على أن من بيانية.
وفي تعريف {الرجس} بلام الجنس مع الإبهام والتعيين وإيقاع الاجتناب على الذات دون العبادة ما لا يخفى من البالغة في التنفير عن عبادتها ، وقيل: من لابتداء الغاية فكأنه تعالى أمرهم باجتناب الرجس عاماً ثم عين سبحانه لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس ، وفي"البحر"يمكن أن تكون للتبعيض بن يعني بالرجس عبادة الأوثان وقد روى ذلك عن ابن عباس.
وابن جريج فكأنه قيل فاجتنبوا من الأوثان الرجل وهو العبادة لأن المحرم منها إنما هو العبادة ألا ترى أنه قد يتصور استعمال الوثن في بناء وغير ذلك مما لم يحرمه الشرع فكان للوثن جهات ، منها عبادته وهو المأمور باجتنابه وعبادته بعض جهاته فقول ابن عطية: إن من جعل من للتبعيض قلب المعنى وأفسده ليس في محله انتهى.
ولا يخفى ما في كلا الوجهين الابتداء والتبعيض من التكلف المستغنى عنه ، وههنا احتمال آخر ستعلمه مع ما فيه إن شاء الله تعالى قريباً ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما يفيده قوله تعالى: {وَمَن يُعَظّمْ} الخ من وجوب مراعاة الحرمات والاجتناب عن هتكها.