وإشارة السر بذكر الليل فإنه محل السر والنجوى ، وعن بعض الأكابر لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ، وذكر غير واحد أن في اختيار عنوان العبودية إشارة إلى أنها أعلى المقامات وقد أشير إلى ذلك فيما سلف ، وأصلها الذل والخضوع وحيث أن الذل لشيء لا يكون إلا بعد معرفته دلت العبودية لله تعالى على معرفته سبحانه وكمالها على كمالها ، ومن هنا فسر ابن عباس قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] بقوله: إلا ليعرفون وهي تسعة وتسعون سهماً بعدد الأسماء الإلهية التي من أحصاها دخل الجنة لكل اسم إلهي عبودية مختصة به يتعبد له من يتعبد من المخلوقين ولم يتحقق بهذا المقام على كمال مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عبداً محضاً زاهداً في جميع الأحوال التي تخرجه عن مرتبة العبودية وشهد الله تعالى له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته هنا واسمه الجامع في قوله سبحانه: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله} [الجن: 19] ولما أمر صلى الله عليه وسلم بتعريف مقامه يوم القيامة قيد ذلك فقال عليه الصلاة والسلام:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"بالراء أو الزاي على اختلاف الروايتين وهي لما علمت من معناها لا يمكن أن تكون نهعتاً إلهياً أصلاً بل هي صفة خاصة لا اشتراك فيها فقد قال أبو يزيد البسطاني: ما وجدت شيئاً يتقرب به إليه تعالى إذ رأيت كل نعت يتقرب به للألوهية فيه مدخل فقلت: يا رب بماذا أتقرب إليه؟ قال: تقرب إلى بما ليس لي قلت: يا رب وما الذي ليس لك؟ قال: الذلة والافتقار.