هذا إخبار عن عدله - تعالى - وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، بإرسال الرسول إليه، كما قال - تعالى -: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ...
إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن الله - تعالى - لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه .. .
هذا، وما ذهب إليه الإمام ابن كثير، والإمام الآلوسي، من أن الله - تعالى - اقتضت رحمته وعدالته، أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، عن طريق إرسال الرسل، هو الذي نعتقده، وتطمئن إليه نفوسنا، لأنه هو الظاهر من معاني الآيات الكريمة، ولأنه هو المناسب لرحمة الله - تعالى - التي وسعت كل شيء.
وهناك من يرى أن من مات على الكفر فهو في النار، ولو لم يرسل الله - تعالى - إليه رسولا، واستدلوا بأدلة لا مجال لذكرها هنا.
ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه في إهلاك الأمم، وفي حال الذين يريدون العاجلة، وحال الذين يريدون الآجلة، فقال - تعالى -:
[سورة الإسراء (17) : الآيات 16 إلى 22]
(وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً(16)
قال أبو حيان - رحمه الله -: لما ذكر - تعالى - في الآية السابقة، أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا، بين بعد ذلك علة إهلاكهم، وهي مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، والتمادي على الفساد - فقال، سبحانه -: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ...
وقوله - سبحانه -: أَمَرْنا
من الأمر الذي هو ضد النهي، والمأمور به هو الإيمان والعمل الصالح، والشكر لله رب العالمين، وحذف لظهوره والعلم به.
وقوله مُتْرَفِيها
جمع مترف، وهو المتنعم الذي لا يمنع من تنعمه، بل يترك يفعل ما يشاء. يقال: ترف فلان - كفرح - أي: تنعم، وفلان أترفته النعمة، أي: أطغته وأبطرته لأنه لم يستعملها في وجوهها المشروعة.