ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك، فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله سبحانه أن أنبياءه، وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل: فقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] . وقال اللعين: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) } [الحجر: 40] ، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة، فكيف يشككهم؟، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتصال الأعصاب، والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فقوله:
{أَرِنِي كَيْفَ} وطلب مشاهدة الكيفية.
ثالثًا: وقوله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} ومعناه إيمانًا مطلقًا دخل فيه فصل إحياء الموتى، والواو واو حال دخلت عليه ألف التقرير، و {لِيَطْمَئِنَّ} معناه ليسكن عن فكره، والطمأنينة اعتدال وسكون على ذلك الاعتدال فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال - عليه السلام:"ثم اركع حتى تطمئن راكعًا"، الحديث، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظورة، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها؛ بل هي فكر فيها عبر، فأراد الخليل أن يعاين، فتذهب فكره في صورة الإحياء، إذ حركه إلى ذلك إما أمر الدابة المأكولة، وإما قول النمرود: أنا أحيي وأميت، وقال الطبري: معنى {لِيَطْمَئِنَّ} ليوقن. وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وحكي عنه ليزداد يقينًا وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لأزداد إيمانًا مع إيماني.
رابعًا: وقال آخرون سأل ذلك ربه؛ لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى. وعن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن آية أرجى عندي منها، وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} ؟ وذكر حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"نحن أحق بالشك من إبراهيم".