قلت: أراد بقوله ليلاً بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسري به في بعض ليلة من مكة إلى الشام مسيرة شهر أو أكثر ، فدل تنكير الليل على البعضية {من المسجد الحرام} قيل كان الإسراء من نفس مسجد مكة وفي حديث مالك بن صعصعة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال"بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر"وذكر حديث المعراج ، وسيأتي بكماله فيما بعد وقيل عرج به من دار أم هانئ بنت أبي طالب وهي بنت عمه أخت علي رضي الله تعالى عنه ، فعلى هذا أراد بالمسجد الحرام الحرم {إلى المسجد الأقصى} يعني إلى بيت المقدس سمي أقصى لبعده عن المسجد الحرام أو لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد {الذي باركنا حوله} يعني الأنهار والأشجار والثمار ، وقيل سماه مباركاً لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي وقبلة الأنبياء قبل نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) وإليه تحشر الخلق يوم القيامة.
فإن قلت: ظاهر الآية يدل على أن الإسراء كان إلى بيت المقدس والأحاديث الصحيحة تدل على أنه عرج به إلى السماء فكيف الجمع بين الدليلين ، وما فائدة ذكر المسجد الأقصى فقط؟ قلت: قد كان الإسراء على ظهر البراق إلى المسجد الإقصى ، ومنه كان عروجه إلى السماء على المعراج وفائدة ذكر المسجد الأقصى فقط أنه (صلى الله عليه وسلم) لو أخبر بصعوده إلى السماء أولاً لاشتد إنكارهم لذلك فلما أخبر أنه أسرى به إلى بيت المقدس ، وبان لهم صدقه فيما أخبر به من العلامات التي فيه وصدقوه عليها أخبر بعد ذلك بعروجه إلى السماء ، فجعل الإسراء إلى المسجد الأقصى كالتوطئة لمعراجه إلى السماء.
وقوله تعالى: {لنريه من آياتنا} يعني من عجائب قدرتنا فقد رأى محمد (صلى الله عليه وسلم) في تلك الليلة الأنبياء وصلى بهم ورأى الآيات العظام.