ولا بُدَّ لنا أنْ نتنبه إلى أن عطاء الربوبية الذي جعله الله للمؤمن والكافر ، قد يغفل عنه المؤمن ويترك مُقوّمات الحياة وأسبابها يستفيد منها الكافر ويتفاعل معها ويرتقي بها ، ويتقدم على المؤمن ، ويمتلك قُوته ورغيف عيشه ، بل وجميع متطلبات حياتهم ، ثم بالتالي تكون لهم الكلمة العليا والغلبة والقهر ، وقد يفتنونك عن دينك بما في أيديهم من أسباب الحياة.
وهذا حال لا يليق بالمؤمن ، ومذلة لا يقبلها الخالق سبحانه لعباده ، فلا يكفي أن نأخذ عطاء الألوهية من أمر ونهي وتكليف وعبادة ، ونغفل أسباب الحياة ومُقوّماتها المادية التي لا قِوامَ للحياة إلا بها.
في حين أن المؤمن أَوْلَى بمقوّمات الحياة التي جعلها الخالق في الكون من الكافر الذي لا يؤمن بإله.
إذن: فمن الدين ألاَّ تمكِّن أعداء الله من السيطرة على مُقوِّمات حياتك ، وألاَّ تجعلَهم يتفوقون عليك.
وقوله: {مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ..} [الإسراء: 18]
أي: أن تفاعل الأشياء معك ليس مُطْلقاً ، بل للمشيئة تدخُّلٌ في هذه المسألة ، فقد تفعل ، ولكن لا تأخذ لحكمة ومراد أعلى ، فليس الجميع أمام حكمة الله سواء ، وفي هذا دليل على طلاقة القدرة الإلهية.
ومعنى {مَا نَشَآءُ..} للمعجَّل و {لِمَن نُّرِيدُ} للمعجَّل له.
وما دام هذا يريد العاجلة ، ويتطلع إلى رُقيِّ الحياة الدنيا وزينتها ، إذن: فالآخرة ليستْ في باله ، وليست في حُسْبانه ؛ لذلك لم يعمل لها ، فإذا ما جاء هذا اليوم وجد رصيده صِفْراً لا نصيب له فيها ؛ لأن الإنسان يأخذ أجره على ما قدّم ، وهذا قدَّم للدنيا وأخذ فيها جزاءه من الشهرة والرقيّ والتقدّم والتكريم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39]