وإياك أن تظن أن الحق سبحانه يمكن أن يهمل الفسقة والخارجين عن منهجه ، فلابد أن يأتي اليوم الذي يأخذهم فيه أخْذَ عزيز مُقْتدر ، وإلاَّ لكانت أُسْوة سيئة تدعو إلى الإفساد في حركة الحياة.
قال تعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16]
الآفة أن الذين يستقبلون نصَّ القرآن يفهمون خطأ أن فَفَسَقُواْ {مترتبة على الأمر الذي قبلها ، فيكون المعنى أن الله تعالى هو الذي أمرهم بالفسق ، وهذا فهم غريب لمعنى الآية الكريمة ، وهذا الأمر صادر من الحق سبحانه إلى المؤمنين ، فتعالوا نَرَ أوامر الله في القرآن:وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..} [البينة: 5]
{أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ..} [النمل: 91]
{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72]
فأمْر الله تعالى لا يكون إلا بطاعة وخير ، ولا يأمر سبحانه بفسق أو فحشاء ، كما ذكر القرآن الكريم ، وعلى هذا يكون المراد من الآية: أمرنا مترفيها بطاعتنا وبمنهجنا ، ولكنهم خالفوا وعَصَوْا وفسقوا ؛ لذلك حَقَّ عليهم العذاب.
والأمر: طَلَب من الأعلى ، وهو الله تعالى إلى الأدنى ، وهم الخَلْق طلب منهم الطاعة والعبادة ، فاستغلُّوا فرصة الاختيار ففسقوا وخالفوا أمر الله.
قوله: وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً.. { [الإسراء: 16]
من الخطأ أن نفهم المعنى على أن الله أراد أولاً هلاكهم ففسقوا ؛ لأن الفهم المستقيم للآية أنهم فسقوا فأراد الله إهلاكهم. و قَرْيَةً أي أهل القرية.
وقوله: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ.. { [الإسراء: 16]
أي: وجب لها العذاب ، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ..} [يونس: 33]