والعجيب أن ينصرف الإنسان العاقل عن ربه وخالقه في حين أن الكون كله من حوله بكل ذراته يُسبِّح بحمد ربّه ، فذراتُ الكون وذراتُ التكوين في المؤمن وفي الكافر تُسبِّح بحمد ربها ، كما قال تعالى: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. { [الإسراء: 44] فكيف بك يا سيد الكون تغفل عن الله والذرات فيك مُسبّحة ، فإن كانت ذرات المؤمن حدث بينه وبين ذرات تكوينه انسجام واتفاق ، وتجاوب تسبيحه مع تسبيح ذراته وأعضائه وتوافقت إرادته الإيمانية مع إيمان ذراته ، فترى المؤمن مُنْسجماً مع نفسه مع تكوينه المادي.
ويظهر هذا الإنسجام بين إرادة الإنسان وبين ذرّاته وأعضائه في ظاهرة النوم ، فالمؤمن ذرّاته وأعضائه راضية عنه تُحبه وتُحب البقاء معه لا تفارقه ؛ لأن إرادته في طاعة الله ، فترى المؤمن لا ينام كثيراً مجرد أن تغفل عينه ساعةً من ليل أو نهار تكفيه ذلك ؛ لأن أعضاءه في انسجام مع إرادته ، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ..} [الذاريات: 17]
وكان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه ، لأنه في انسجام تام مع إرادته صلى الله عليه وسلم.
وما أشبه الإنسان في هذه القضية بسيد شرس سيء الخُلق ، لديه عبيد كثيرون ، يعانون من سُوء معاملته ، فيلتمسون الفرصة للابتعاد عنه والخلاص من معاملته السيئة.
على خلاف الكافر ، فذراته مؤمنة وإرادته كافرة ، فلا انسجام ولا توافق بين الإرادة والتكوين المادي له ، لذا ترى طبيعته قلقة ، ليس هناك تصالح بينه وبين ذراته ، لأنها تبغضه وتلعنه ، وتود مفارقته.
ولولا أن الخالق سبحانه جعلها مُنْقادةً له لما طاوعتْه ، وإنها لتنتظر يوم القيامة يوم أنْ تفكّ من إرادته ، وتخرج من سجنه ، لتنطق بلسان مُبين ، وتشهد عليه بما اقترف في الدنيا من كفر وجحود ؛ لذلك ترى الكافر ينام كثيراً ، وكأن أعضاءه تريد أن ترتاح من شره.