القول الثاني في الآية - هو أن الأمر في قوله أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا أمر كوني قدري ، أي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له. لأن كلاً ميسر لما خلق له. والأمر الكوني القدري كقوله {وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر} [القمر: 50] ، وقوله {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166] ، وقوله {أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} [يونس: 24] ، وقوله: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] .
القول الثالث في الآية - أن"أمَرْنَا"بمعنى أكثرنا. أي أكثرنا مترفيها ففسقوا
وقال أبو عبيدة {أمرنا} بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد.
ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"خير مال امرئ مهوة مأمورة ، أو سكة مأبورة".
قال ابن كثير: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه (الغريب) : المأمورة: كثيرة النسل. والسكة: الطريقة المصطفة من النخل. والمأبورة: من التابير ، وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها. ومعلوم إن إتيان المأمورة على وزن المعفول يدل على أن أمر بفتح الميم مجردا عن الزوائد ، متعد بنفسه إلى المفعول. فيتضح كون أمره بمعنى أكثر. وأنكر غير واحد تعدى أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول وقالوا: حديث سويد بن هيبرة المذكور من قبيل الأزدواج ، كقولهم: الغدايا والعشايا ، وكحديث"ارجعن مأزورا غير مأجورات"أن الغدايا لا يجوز ، وإنما ساغ للازدواج مع العشايا ، وكذلك مازورات بالهمز فهو على غير الأصل. لأن المادة من الوزر بالواو. غلا أن الهمز في قوله"مأزورات"للازدواج مع"مأجورات".