الأول - أن التعذيب المنعفى في قوله {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ} الآية ، وأمثالها من الآيات. إنما هو العذيب الدنيوي كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم موسى وأمثالهم. وإذا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة.
ونسب هذا القول القرطبي ، وأبو حاين ، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور.
والوجه الثاني - أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل. أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد. لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم ، الخالق الرازق ، النافع ، الضار. ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر. كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ} [الأنبياء: 65] وكما جاءت الآيات القرانية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده. لعملهم أن غيره لا ينفع ولا يضر. كقوله {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [العنكبوت: 65] الآية ، وقوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [لقمان: 32] الآية ، وقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] الآية ، غلى غير ذلك من الآيات. ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم - فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهو عند الله. مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.