وهذه مسألة حيَّرتْ الباحثين في فلسفة الكون وظواهره ، فكانوا يظنون أنك ترى الأشياء إذا انتقل الشعاع من عينك إلى المرئي فتراه. إلى أن جاء العالم الإسلامي"ابن الهيثم"الذي نَوَّر الله بصيرته ، وهداه إلى سِرِّ رؤية الأشياء ، فأوضح لهم ما وقعوا فيه من الخطأ ، فلو أن الشعاع ينتقل من العين إلى المرئي لأمكنك أن ترى الأشياء في الظُّلمة إذا كنتَ في الضوء.
إذن: الشعاع لا يأتي من العين ، بل من الشيء المرئي ، ولذلك نرى الأشياء إنْ كانت في الضوء ، ولا نراها إن كانت في الظلام.
وعليه يكون الشيء المرئيّ هو الذي يبصرك من حيث هو الذي يتضح لك ، ويساعدك على رؤيته ، ولذلك نقول: هذا شيء يُلفت النظر أي: يرسل إليك مَا يجعلك تلتفت إليه.
إذن: التعبير القرآني: وَجَعَلْنَآ آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً.. { [الإسراء: 12]
على مستوى عال من الدقة والإعجاز ، وصدق الله تعالى حين قال: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]
وقوله تعالى: لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ.. { [الإسراء: 12]
وهذه هي العلة الأولى لآية الليل والنهار.
أي: أن السعي وطلب الرزق لا يكون إلا في النهار ؛ لذلك أتى طلب فضل الله ورزقه بعد آية النهار ، ومعلوم أن الإنسان لا تكون له حركة نشاطية وإقبال على السَّعي والعمل إلا إذا كان مرتاحاً ولا تتوفر له الراحة إلا بنوم الليل.
وبهذا نجد في الآية الكريمة نفس الترتيب الوارد في قوله تعالى: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ..} [القصص: 73]
فالترتيب في الآية يقتضي أن نقول: {لِتَسْكُنُواْ فِيهِ..} [القصص: 73]
أي: في الليل ، {وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ..} [القصص: 73] أي: في النهار ، وعمل النهار لا يتم إلا براحة الليل ، فهما - إذن - متكاملان.