والحق سبحانه وتعالى جعل النهار مَحلاً للحركة وابتغاء فضل الله ؛ لأن الحركة أمرٌ ماديّ وتفاعل ماديّ بين الإنسان ومادة الكون من حوله ، كالفلاح وتفاعله مع أرضه ، والعامل تفاعله مع آلته.
هذا التفاعل المادي لا يتم إلا في ضوء ؛ لأن الظلمة تغطي الأشياء وتُعميها ، وهذا يتناسب مع الليل حيث ينام الناس ، أما في السعي والحركة فلا بُدَّ من ضوء أتبين به الفاعل والمنفعل له ، ففي الظلمة قد تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك ، أو بما هو أضعف منك فتحطمه.
إذن: فأول خطوات ابتغاء فضل الله أن يتبيّن الإنسان المادة التي يتفاعل معها. لذلك ، فالحق سبحانه جعل الظلمة سابقة للضياء. فقال تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]
لأن النور محلٌّ للحركة ، ولا يمكن للإنسان أن يعمل إلا بعد راحة ، والراحة لا تكون إلا في ظُلْمة الليل.
وقوله تعالى: وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ.. { [الإسراء: 12]
وهذه هي العِلَّة الأخرى لليل والنهار ، حيث بمرورهما يتمّ حساب السنين.
وكلمة عَدَدَ تقتضي شيئاً له وحدات ، ونريد أن نعرف كمية هذه الوحدات ؛ لأن الشيء إنْ لم تكُنْ له كميات متكررة فهو واحد.
وقوله: السِّنِينَ وَالْحِسَابَ.. { [الإسراء: 12]
لأنها من لوازم حركتنا في الحياة ، فعن طريق حساب الأيام نستطيع تحديد وقت الزراعات المختلفة ، أو وقت سقوط المطر ، أو هبوب الرياح. وفي العبادات نحدد بها أيام الحج ، وشهر الصوم ، ووقت الصلاة ، ويوم الجمعة ، هذه وغيرها من لوازم حياتنا لا نعرفها إلا بمرور الليل والنهار.